|
السبب و المسبب
في التوكل
والإسترقاء
عرضت لي حالة لجأت فيها بقلبي إلى
الله تعالى وحده ، عالماً بأنه لا يقدر على جلب
نفعي و دفع ضري سواه ثم قمت أتعرض بالأسباب ،
فأنكر علي يقيني ، و قال : هذا قدح في التوكل .
فقلت : ليس كذلك فإن الله تعالى وضعها من الحكم .
و كان معنى حالي أن ما وضعت لا يفيد و إن وجوده
كالعدم . و ما زالت الأسباب في الشرع كقوله تعالى
: " و إذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة
منهم معك و ليأخذوا أسلحتهم " . و قال تعالى : "
فذروه في سنبله " . و قد ظاهر النبي صلى الله عليه
و سلم بين درعين ، و شاور طبيبين ، و لما خرج إلى
الطائف لم يقدر على دخول مكة ، حتى بعث إلى المطعم
بن عدي فقال : أدخل في جوارك . و قد كان يمكنه أن
يدخل متوكلاً بلا سبب . فإذا جعل الشرع الأمور
منوطة بالأسباب ، كان إعراضي عن الأسباب دفعاً
للحكمة . و لهذا أرى أن التداوي مندوب إليه ، و قد
ذهب صاحب مذهبي إلى أن ترك التداوي أفضل ، و منعني
الدليل من اتباعه في هذا فإن الحديث الصحيح أن
النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ما أنزل الله
داء إلا و أنزل له دواء فتداووا " . و مريبة هذه
اللفظة الأمر ، و الأمر إما أن يكون واجباً ، أو
ندباً . و لم يسبقه حظر ، فيقال : هو إباحة . و
كانت عائشة رضي الله عنها تقول : [ تعلمت الطب من
كثرة أمراض رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و ما
ينعت له ] . و قال عليه الصلاة و السلام لعلي بن
أبي طالب رضي الله عنه : " كل من هذا فإنه أوفق لك
من هذا " . و من ذهب إلى أن تركه أفضل احتج بقوله
عليه الصلاة السلام : " يدخل الجنة سبعون ألفاً
بلا حساب " . ثم وصفهم فقال : " لا يكتون ، و
لايسترقون ، و لا يتطيرون ، و على ربهم يتوكلون "
. و هذا لا ينافي التداوي ، لأنه قد كان أقوام
يكتوون لئلا يمرضوا و يسترقون لئلا تصبهم نكبة ، و
قد كوى عليه الصلاة السلام بن زرارة و رخص في
الرقية في الحديث الصحيح . فعلمنا أن المراد ما
أشرنا أليه . و إذا عرفت الحاجة إلى إسهال الطبع ،
رأيت أن أكل البلوط مما يمنع عنه علمي ، و شرب ماء
التمر هندي أوفق ، و هذا طب . فإذا لم أشرب ما
يوافقني ، ثم قلت : اللهم عافني ، قالت لي الحكمة
، أما سمعت : [ اعقلها و توكل ؟ ] اشرب و قل عافني
، و لا تكن كمن بين زرعه و بين النهر كف من تراب ،
تكاسل أن يرفعه بيده ، ثم قام يصلي صلاة الإستسقاء
. و ما هذه الحالة إلا كحال من سافر على التجريد ،
و إنما سافر على التجريد لأنه يجرب بربه عز وجل هل
يرزقه أولا ، و قد تقدم الأمر إليه : " و تزودوا "
فقال : لا أتزود ، فهذا هالك قبل أن ، يهلكه . و
لو جاء وقت صلاة و ليس معه ماء ، ليم على تفريطه ،
و قيل له : هلا استصحبت الماء قبل المفازة .
فالحذر الحذر من أفعال أقوام دققوا فمرقوا عن
الأوضاع الدينية ، و ظنوا أن كمال الدين بالخروج
عن الطباع ، و المخالفة للأوضاع . و لولا قوة
العلم و الرسوخ فيه ، لما قدرت على شرح هذا و لا
عرفته ، فافهم ما أشرت إليه ، فهو أنفع لك من
كراريس تسمعها ، و كن مع أهل المعاني لا مع أهل
الحشو .
كتاب صيد الخاطر :
ابن الجوزي
الموقع الرسمي للشيخ خالد الحبشي للرقية الشرعية
WWW.ALROQYA.COM
|